السيد الطباطبائي
281
الإنسان والعقيدة
الانتقال في البحث من عالم الطبيعة إلى ما وراءها . . كما أنّها هي التي حملته على التوغّل في البحث عن أوائل الوجود عندما وجد أنّ العالم المادي في نفسه محتاج ، ومفتقر إلى غيره ، أي لا يقوم وجوده بنفسه من دون أن يعتمد على ما يدفع عنه حاجته وخلّته ، حيث كان استقلاله في وجوده دائما محتاجا ، ومنتهيا إلى ما لا يكون استقلاله في الوجود محتاجا ومنتهيا إلى شيء آخر . . . وهذه هي الفلسفة الباحثة عن اللّه عزّ اسمه ؛ لأنّه هو الذي لا يحتاج استقلاله في الوجود إلى أي شيء آخر ، وتحتاج جميع الأشياء إليه في وجودها المستقلّ . وهذا ، وإن كان في نفسه واحدا من تلك الموضوعات الكثيرة ، التي تطرح للبحث في الفلسفة العامّة . . إلّا أنّ الأهمّية التي له تفوق أهمّية أي بحث فلسفي آخر من حيث إنّه يترك أثرا ظاهرا وهامّا جدّا في كلّ الأبحاث والدراسات الفلسفيّة العامّة الأخرى ، من دون استثناء ؛ إذ إنّ الحصول على النتيجة فيه - وهو التوحيد - يحوّل الأبحاث الفلسفيّة من حال التفرّق والتشتّت إلى حال التوحّد والترابط والتآلف ، ويبرزها في حلّة أبهى ، وزينة أكثر جاذبيّة ، وجمال أشدّ سحرا . . عندما يربط جميع الموجودات على كثرتها بموجود واحد ، هو باريها ومبديها . . وهذه الحقيقة يجدها الباحث المتتبّع واضحة جليّة فيما ورثناه من الأقوال الفلسفيّة ، من « الهند » ، و « مصر القديمة » ، و « بابل » ، و « الروم » ، و « اليونان » . . وأيضا في المأثور من كلمات المحصّلين من فلاسفة الإسلام . . هذا من جهة . . . ومن جهة ثانية . . فإنّ ما بأيدينا من الكتب السماويّة المنسوبة إلى « موسى » و « عيسى » وغيرهما عليهم السّلام . . ثمّ ما حكاه اللّه في كتابه العزيز عن الأنبياء عليهم السّلام على اختلاف طبقاتهم ، ثمّ ما ختم به ( عزّ وجلّ ) ذلك ممّا أوحاه على خاتمهم . . كلّ ذلك إذا تأمّل الباحث فيه ، وتعمّق في درسه يرى أنّ البحث في اللاهوت - كان